محمد غازي عرابي
807
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة السجدة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 3 ) [ السجدة : 1 ، 3 ] النذير هنا رديف البشير كما قال سبحانه في وصف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في موضع آخر : مُبَشِّراً وَنَذِيراً [ الإسراء : 105 ] ، وقوله : لِتُنْذِرَ قَوْماً [ القصص : 46 ] له رقيقة ، ذلك أنه سبحانه لم يقل قومك فقط ، فمن منظور كونه عليه السّلام النور المحمدي يكون هو النذير للأقوام منذ عهد آدم ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أنا أبو الأرواح وآدم أبو البشر ) ، فكل نذير أتى قوما فحقيقته هذا النور الذي سماه الإمام الغزالي المطاع استنباطا من وصفه سبحانه الروح الأمين في القرآن . فالهدى هدى نبوي نوراني قديم ، ولهذا قال سبحانه في الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إنه أرسل رحمة للعالمين ، فعمم ولم يخص قوما دون قوم كما كان قال في موسى وعيسى عليهما السّلام المرسلين إلى بني إسرائيل ، وتقول الصوفية إن النور المحمدي حقيقة كل نبي باعتبار هذا النور جسرا وواسطة بين الإطلاق والتعين . [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 4 ] اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 4 ) [ السجدة : 4 ] سبق وتحدثنا عن اليوم الزماني واليوم الإلهي العالي فوق يوم الزمان ، وكما قال عليه السّلام : لكل آية من آيات القرآن ظهر وبطن ، ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن ، فالأيام الستة يمكن أن تؤول على أنها العناصر الأربعة المكونة للعالم المادي وهي التراب والنار والهواء والماء مضافا إليها الروح الفاعل والنفس المنفعلة ، فيكون اللّه بهذا قد استوى على عرش الوجود ووسع كرسيه السماوات والأرض . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 5 إلى 6 ] يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 5 ) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) [ السجدة : 5 ، 6 ] التدبير ذاتي جواني ، وهو للإنسان بالمعية ، وعند التحقيق بلا معية لأنه يكون سبحانه الظاهر والباطن ، فالتدبير إذن من الباطن إلى الظاهر ، فتكون السماء الباطن وتكون الأرض